السيد نعمة الله الجزائري
23
الأنوار النعمانية
واما لأن الأنعام تعرف بيت صاحبها فتغدوا عليه وتروح وتسرح وتجيء فحالها أحسن من حالك ، وذلك انّك تهرب من المساجد والبيت والكعبة ومن أولياء اللّه وأحبائه وإمّا لأن الأنعام قد قامت بوظائف ما خلقت له فانّ الثور انّما خلق للحرث والفرس للركوب ونحو ذلك ولم يحصل منها تقصير في هذه الغايات ، وامّا أنت فانّما خلقت للعبادة ولم تأت بشيء منها فهي أهدى منك وأحسن حالا ، ولو تفكّرت أيها الفاخر المتكبّر لرأيت انّ أول من سبقك بهذه الخصلة القبيحة هو امامك الشيطان حيث أبى عن السجود بقوله له خلقتني من نار وخلقته من طين ، فانّه نظر إلى أن جوهر النار وان ارتفع سنانها في الهوى وشبّت لكنه لحظة واحدة ثم لا يحصل منها بعد الّا الرماد الذي لا ينتفع به ، وأمّا التراب فهو وان كان موضوعا تحت الأقدام لكنه بسبب هذا التواضع قد صار مادة لأنواع الورد والريحان وكل خير فهو اذن اشرف من النّار وانفع منها ، فقد غلط في القياس كما سبق تحقيقه ، وقد تقدّم في وظائف الصلوات ان اللّه سبحانه انما جعل موسى كليمه لأنّه إذا فرغ من الصلاة عفّر خديه على التراب ، فانظر إلى شرف التراب كيف ترقت بسببه الأنبياء إلى مراتب القدس ومكالمة الحقّ . وروي أن اللّه تعالى أوحى إلى موسى عليه السّلام فقال : أتدري لم رزقتك النبوة ؟ فقال : يا رب أنت اعلم به مني ، فقال : تذكر اليوم الّذي كنت ترعى الغنم بالموضع الفلاني فعدت شاة فعدوت خلفها ، فلمّا لحقتها لم تضربها وقلت أتعبتني وأتعبت نفسك ، فحين رأيت منك تلك الشفقة على ذلك الحيوان رزقتك النبوة ، وبالجملة فليس الفخر والشرف الّا لمن شرّفته الطّاعة ، كما قال في الحديث القدسي : ليس الشّريف الا من شرّفته طاعتي . وفيه أيضا ان الناس يطلبون أشياء في أشياء فلا يجدونها لأنّي وضعتها في غيرها يطلبون العلم في الوطن فلا يجدونه لأنّي وضعته في الغربة ، ويطلبون الغنى في جمع المال فلا يجدونه لأنّي وضعته في القناعة ، ويطلبون العزّ بخدمة السّلطان فلا يجدونه لأنّي وضعته بخدمتي ، ومن هذا قال سبحانه إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ ولم يقل ان أكرمكم أتقاكم ، إشارة إلى ما حققناه من انّ الفخر والشّرف انّما ينبغي ان يكون هو الذي يفعله بالإنسان وينشر مدائحه ويرقّيه فوق درجات المعالي من غير أن يكون الإنسان هو المتولّي لذلك ، وناهيك بالتكبر ذما بعد الناس عن صاحبه بالذل فهو لا يحبهم وهم لا يحبّونه وذمّه على ألسنة الخلائق وان اللّه يبتليه في أغلب الأوقا بالذلّ والهوان فانّ الصادقين عليهما السّلام قد مثّلوا الدنيا ببيت سقفه مخفوض « 1 » فالدّاخل اليه لا بدّ له
--> ( 1 ) . خفضه خفضا ضد رفعه .